عبد الله بن محمد المالكي

405

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

إلى أن مررنا بالجزارين ، فقام إليه رجل منهم فقال : « يا أبا الوليد ، أضررت بي ، لأن بضاعتي كلها عندك ، ولا بد لي من أداء مالي قبلك ! » فاعتذر إليه وسأله الصبر ، فأبى عليه ، فمرّ بنا رجل فقال للجزار : « كم لك على الشيخ ؟ » قال : « عشرة دنانير » قال : « هي لك عليّ ، امض معي حتى أدفعها لك » فمضى معه فدفع « 13 » إليه الدنانير . وظننت أنا أنه من إخوان المهري ، وظن المهري أنه من أجلي فعل ذلك به ، فلما سرنا قال لي « 14 » المهري : « الرجل الذي ودّى عنّي الدنانير من هو ؟ » فقلت : « لا أعرفه ، ولكن أسأل عنه » ، فسألت فإذا هو رجل عطار » « 15 » . قال : « وكان الناس من تعظيم أهل العلم [ والأدب على ] « 16 » خلاف ما هم عليه اليوم . [ قال صاحب الكتاب ] « 17 » ولقد تذكرت بهذه الحكاية حكاية أخبرني بها بعض المشايخ ، قال : « كان شيخ له أدب وعقل ، وكان يأتي إلى « زقاق الفرانين » بقرب « السماط » فيجلس مع قوم ، وكان أكثرهم من أهل العلم . فأبطأ عليهم أياما ، فمضوا إليه يتعرفون « 18 » أحواله ، فسألوه عما أخره عنهم فأعلمهم أن حماره الذي كان ينصرف عليه أصيب به ، فأصبح « 19 » كل واحد منهم - من غير أن يعلم صاحبه - فاشترى له حمارا بسرجه ولجامه ، وكانوا جماعة ، فأصبح على بابه نحو من أربعين [ حمارا ] « 20 » . قال المهري « 21 » : « اغتممت ليلة غما ما مرّ بي مثله ، ثم سررت سرورا ما سررت مثله ، ثم اغتممت » [ كذلك ، ثم سررت كذلك ] « 22 » ، فقيل له : « وكيف ذلك ،

--> - الحسن بن محمد التميمي العنبري ، من تلاميذ المهري . توفي سنة 343 ، طبقات اللغويين ص 267 - 268 ) . ( 13 ) في الأصل : فدفعها . ( 14 ) تكررت هنا في الأصل عبارة : « الرجل الذي عني الدنانير وظننت انه من اخوان المهري وظن المهري انه من اجلي ، فقال لي » . فرأينا حذفها والاستغناء عنها . ( 15 ) كذا في الأصول . وفي طبقات اللغويين والانباه : فإذا هو رومي من أهل العطارين . ( 16 ) زيادة من ( م ) وطبقات اللغويين والانباه . ( 17 ) زيادة من ( م ) . ( 18 ) في الأصل : يتعرفوا . وفي ( م ) : ليعرفوا حاله . ( 19 ) في الأصل : وأصبح . والمثبت من ( م ) . ( 20 ) زيادة من ( م ) . ( 21 ) الخبر لم يرد في غير الرياض . ( 22 ) زيادة من ( م ) .